ينظر كثير من الناس إلى النجاح وكأنه كمية محدودة؛ فإذا ربح شخص ما، فلا بد أن يخسر شخص آخر. لكن هل هذه الفكرة صحيحة دائمًا؟ وهل كل منافسة أو علاقة أو صفقة تجارية تعني أن مكسب طرف هو بالضرورة خسارة للطرف الآخر؟ يجيب علم الاقتصاد ونظرية الألعاب عن هذه الأسئلة من خلال مفهوم يعرف بالمحصلة (Payoff)، والذي يقسم التفاعلات بين الأفراد أو المؤسسات أو الدول إلى ثلاثة أنواع رئيسية: ألعاب ذات محصلة صفرية، وألعاب ذات محصلة إيجابية، وألعاب ذات محصلة سلبية.
يساعد هذا النموذج على فهم كيفية اتخاذ القرارات، وبناء العلاقات، وإدارة التفاوض، والاستثمار، وحتى حل النزاعات. كما يفسر سبب ازدهار بعض المجتمعات والمؤسسات، بينما تدخل مجتمعات أخرى في دوائر مستمرة من الصراع والخسارة. فطريقة التفكير التي يتبناها الإنسان تجاه المكسب والخسارة تؤثر بصورة مباشرة في جودة قراراته، وفي قدرته على التعاون، والابتكار، وتحقيق النجاح على المدى الطويل.
تُعد نظرية الألعاب (Game Theory) أحد أهم النماذج المستخدمة في علم الإقتصاد، و الرياضيات، و العلوم السياسية، و علم النفس، و إدارة الأعمال، لأنها تساعد على فهم كيفية اتخاذ الأفراد، و المؤسسات، و الحكومات لقراراتهم عندما تعتمد نتائج هذه القرارات على تصرفات أطراف أخرى. فالكثير من قراراتنا اليومية لا تُتخذ في فراغ، بل تتأثر بما نتوقع أن يفعله الآخرون، كما يتأثر الآخرون بما نتخذه نحن من قرارات.
وعلى الرغم من أن اسمها يتضمن كلمة "الألعاب"، إلا أنها لا تقتصر على الألعاب الترفيهية، بل تشير إلى أي موقف يوجد فيه طرفان أو أكثر، يمتلك كل منهم أهدافًا، و خيارات متعددة، بحيث تؤثر قرارات أحدهم في نتائج الآخرين. ولهذا فإن المفاوضات التجارية، و المنافسة بين الشركات، و العلاقات الإنسانية، و الإنتخابات، و حتى الحروب، يمكن تحليلها جميعًا باستخدام مبادئ نظرية الألعاب.
لا يعتمد نجاح القرار على ما تختاره فقط، بل على ما يختاره الآخرون أيضًا.
و تهدف نظرية الألعاب إلى دراسة التفاعل بين الأطراف المختلفة، و تحليل الإستراتيجيات الممكنة، ثم محاولة التنبؤ بالنتائج الأكثر احتمالًا. فهي لا تسأل فقط: "ما القرار الصحيح؟"، بل تضيف سؤالًا أكثر أهمية: "ما القرار الأفضل إذا أخذنا في الإعتبار أن الآخرين سيتخذون قراراتهم أيضًا؟"
أطراف متعددة
↓
لكل طرف أهداف مختلفة
↓
لكل طرف خيارات متعددة
↓
قرارات كل طرف تؤثر في الآخرين
↓
النتيجة النهائية تعتمد على الجميع
ومن أهم الأفكار التي تقدمها هذه النظرية أن النجاح لا يتحقق دائمًا من خلال هزيمة المنافس، لأن بعض المواقف تسمح لجميع الأطراف بتحقيق مكاسب مشتركة، بينما تؤدي مواقف أخرى إلى خسارة الجميع إذا غاب التعاون، أو سيطر الصراع. ولهذا فإن فهم نوع التفاعل بين الأطراف يعد خطوة أساسية قبل اتخاذ أي قرار إستراتيجي.
ولهذا السبب أصبحت نظرية الألعاب تستخدم اليوم في تصميم الأسواق المالية، و التفاوض الدولي، و الذكاء الإصطناعي، و التسويق، و إدارة المشاريع، و التخطيط العسكري، و العلاقات الأسرية، لأنها تقدم إطارًا يساعد على التفكير بطريقة أكثر عقلانية، و أقل اندفاعًا.
تساعد هذه النظرية على إدراك أن القرارات لا تُقيَّم بمعزل عن البيئة المحيطة، بل يجب النظر إلى كيفية استجابة الآخرين لها. كما تساعد على فهم متى يكون التعاون أفضل من المنافسة، و متى تكون المنافسة ضرورية، و متى يتحول الصراع إلى خسارة جماعية يجب تجنبها.
| ما الذي تساعد عليه؟ | النتيجة. |
|---|---|
| فهم سلوك الآخرين. | توقع ردود الأفعال. |
| تحليل البدائل. | اختيار الإستراتيجية الأفضل. |
| إدارة التفاوض. | تحقيق نتائج أفضل. |
| تقليل الصراعات. | زيادة فرص التعاون. |
| تحليل المنافسة. | بناء قرارات أكثر ذكاءً. |
تقوم نظرية الألعاب على مبدأ بسيط، لكنه بالغ الأهمية، وهو أن نتيجة أي قرار لا تعتمد فقط على ما تفعله أنت، بل تعتمد أيضًا على ما يفعله الآخرون. ولذلك فإن التفكير الإستراتيجي الحقيقي يتطلب توقع ردود أفعال الأطراف المختلفة قبل اختيار أي خطوة.
أفضل قرار ليس دائمًا القرار الذي يفيدك وحدك، بل القرار الذي يأخذ في الحسبان سلوك جميع الأطراف.
بعد التعرف على الفكرة العامة لنظرية الألعاب، سنبدأ بدراسة أهم تصنيفاتها، وهو تصنيف الألعاب حسب المحصلة (Payoff)، حيث سنتعرف على الفرق بين الألعاب ذات المحصلة الإيجابية، و الألعاب صفرية المحصلة، و الألعاب ذات المحصلة السلبية، و كيف يؤثر كل نوع في طريقة اتخاذ القرار.
تمثل الألعاب ذات المحصلة الإيجابية (Positive-Sum Games) أفضل أنواع التفاعلات الإنسانية، و الإقتصادية، و الإجتماعية، لأنها تقوم على مبدأ بسيط، وهو أن جميع الأطراف يمكن أن يحققوا مكاسب في الوقت نفسه. ففي هذا النوع من الألعاب لا يكون النجاح مرتبطًا بهزيمة المنافس، بل بخلق قيمة جديدة يستفيد منها الجميع.
وعلى عكس الاعتقاد الشائع بأن الحياة عبارة عن منافسة مستمرة، توضح نظرية الألعاب أن كثيرًا من المواقف اليومية ليست صراعًا على موارد ثابتة، بل فرصًا للتعاون، و تبادل المنافع، و الإبتكار، بحيث يصبح الناتج النهائي أكبر من مجموع ما كان يمتلكه كل طرف قبل بدء التعاون.
النجاح الحقيقي لا يتحقق دائمًا بالفوز على الآخرين، بل قد يتحقق بالفوز معهم.
يقصد بالمحصلة الإيجابية أن التعاون بين الأطراف يؤدي إلى خلق قيمة جديدة، بحيث يحصل كل طرف على منفعة أكبر مما كان سيحصل عليه لو عمل بمفرده. فالهدف هنا ليس تقسيم كعكة موجودة، بل صنع كعكة أكبر يستفيد منها الجميع.
تعاون
↓
خلق قيمة جديدة
↓
زيادة المنفعة
↓
فوز الجميع
عندما يتعاون الأفراد، أو المؤسسات، أو الدول، فإن كل طرف يضيف خبراته، و موارده، و مهاراته إلى الطرف الآخر، مما يؤدي إلى إنتاج قيمة لم تكن موجودة أصلًا. ولذلك فإن التعاون لا يعني التنازل عن المصالح، بل توسيع دائرة المكاسب بحيث يحصل الجميع على نتائج أفضل.
ولهذا السبب تعتمد معظم الشركات الكبرى على الشراكات الإستراتيجية، و التحالفات، و التعاون مع الموردين، و الجامعات، و مراكز البحث، لأن هذه العلاقات تحقق نتائج يصعب الوصول إليها بالعمل الفردي.
| بدون تعاون. | مع التعاون. |
|---|---|
| موارد محدودة. | موارد مشتركة. |
| خبرات منفصلة. | خبرات متكاملة. |
| قيمة أقل. | قيمة أكبر. |
| نتائج محدودة. | نتائج مستدامة. |
تظهر الألعاب ذات المحصلة الإيجابية في معظم العلاقات الصحية، و البيئات التي تعتمد على التعاون، و تبادل المعرفة، و الإبتكار، لأن الأطراف لا تسعى إلى القضاء على بعضها، بل إلى تحقيق منفعة مشتركة تزيد من نجاح الجميع.
التعاون لا يقلل نصيبك من النجاح، بل يزيد حجم النجاح نفسه.
ليست جميع المواقف تسمح بتحقيق مكاسب مشتركة، فهناك حالات تكون فيها الموارد محدودة، بحيث يؤدي فوز طرف إلى خسارة الطرف الآخر. وهذا ما سنناقشه في القسم التالي عند دراسة الألعاب صفرية المحصلة (Zero-Sum Games).
تمثل الألعاب صفرية المحصلة (Zero-Sum Games) النوع الذي يعتقد كثير من الناس خطأً أنه يمثل جميع مواقف الحياة. وفي هذا النوع تكون القيمة الإجمالية ثابتة، بحيث يؤدي فوز أحد الأطراف إلى خسارة الطرف الآخر بالقيمة نفسها تقريبًا. أي أن المكاسب لا تُخلق، بل يعاد توزيعها بين المشاركين.
فإذا كانت هناك جائزة واحدة، أو منصب واحد، أو قطعة أرض واحدة، أو عقد واحد، فإن حصول أحد الأطراف عليها يعني تلقائيًا أن الأطراف الأخرى لن تحصل عليها. ولهذا فإن هذا النوع يعتمد بصورة أساسية على المنافسة المباشرة، و تحسين الأداء، و التفوق على المنافسين.
في الألعاب صفرية المحصلة لا يزداد حجم الكعكة، بل يتنافس الجميع على الحصول على أكبر قطعة منها.
يقصد بالمحصلة الصفرية أن مجموع المكاسب، و الخسائر يساوي صفرًا. فإذا ربح أحد اللاعبين عشر نقاط، فإن الطرف الآخر يخسر عشر نقاط، دون أن تتولد قيمة إضافية داخل النظام.
مورد ثابت
↓
منافسة مباشرة
↓
فوز طرف
↓
خسارة الطرف الآخر
تظهر هذه الألعاب عندما يكون المورد غير قابل للتوسع، أو عندما تفرض طبيعة الموقف وجود فائز واحد فقط. ففي مباراة الشطرنج لا يمكن إعلان كلا اللاعبين فائزين، كما أن الوظيفة الواحدة لا يمكن أن يشغلها شخصان في الوقت نفسه، ولذلك تصبح المنافسة أمرًا طبيعيًا.
ومع ذلك، فإن الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن كل موقف تنافسي يعد لعبة صفرية المحصلة، بينما الحقيقة أن كثيرًا من المواقف يمكن تحويلها إلى ألعاب ذات محصلة إيجابية إذا تغيرت طريقة التفكير، أو تم توسيع الموارد، أو خلق فرص جديدة.
| السمة. | في الألعاب صفرية المحصلة. |
|---|---|
| القيمة الكلية. | ثابتة. |
| عدد الفائزين. | محدود. |
| طريقة النجاح. | التفوق على المنافس. |
| التعاون. | محدود أو غير ممكن. |
الإجابة هي: لا. فالمنافسة لا تعني دائمًا أن أحد الأطراف يجب أن يخسر. ففي الأسواق الحرة مثلًا تستطيع عدة شركات أن تنمو معًا إذا توسع حجم السوق، بينما تتحول المنافسة إلى لعبة صفرية فقط عندما يكون المورد محدودًا بالفعل.
التفكير الإستراتيجي يبدأ بالسؤال: هل المورد محدود فعلًا، أم يمكن خلق قيمة جديدة؟
إذا كانت الألعاب ذات المحصلة الإيجابية تحقق مكاسب للجميع، و الألعاب صفرية المحصلة تحقق مكسبًا لطرف، و خسارة لآخر، فإن هناك نوعًا ثالثًا أكثر خطورة، وهو الألعاب ذات المحصلة السلبية (Negative-Sum Games)، حيث تنتهي المنافسة بخسارة جميع الأطراف، حتى من يعتقد أنه انتصر.
تمثل الألعاب ذات المحصلة السلبية (Negative-Sum Games) أخطر أنواع الألعاب في نظرية الألعاب، لأنها لا تؤدي إلى فوز أحد الأطراف بصورة حقيقية، بل تنتهي بخسارة الجميع بدرجات متفاوتة. ففي هذا النوع لا يقتصر الأمر على إعادة توزيع القيمة، كما في الألعاب صفرية المحصلة، بل تُدمر القيمة نفسها، و تُستهلك الموارد، و يخرج جميع المشاركين بأسوأ مما كانوا عليه قبل بدء الصراع.
وغالبًا ما تبدأ هذه الألعاب كمنافسة طبيعية، لكنها تتحول تدريجيًا إلى صراع يسيطر عليه الغضب، أو الرغبة في الإنتقام، أو التعصب، أو العناد، فيصبح الهدف هو إلحاق الضرر بالطرف الآخر حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالنفس أيضًا.
أخطر الانتصارات هي تلك التي تجعل الجميع يخسرون، حتى الشخص الذي يعتقد أنه فاز.
يقصد بالمحصلة السلبية أن مجموع الخسائر يفوق أي مكاسب محتملة، بحيث تقل القيمة الإجمالية بعد انتهاء الصراع. وقد يحقق أحد الأطراف مكسبًا صغيرًا، لكنه يكون قد دفع ثمنًا أكبر بكثير من قيمة هذا المكسب.
صراع
↓
استنزاف الموارد
↓
تدمير القيمة
↓
خسارة الجميع
لا تبدأ معظم الألعاب السلبية بهذا الشكل، بل تبدأ غالبًا بخلاف بسيط، أو منافسة عادية، ثم تتصاعد تدريجيًا بسبب سوء التواصل، أو تضخم الأنا، أو غياب الحوار، أو الرغبة في الفوز بأي ثمن. ومع مرور الوقت يصبح التركيز على إيذاء الطرف الآخر أهم من تحقيق الهدف الأصلي.
ولهذا فإن كثيرًا من النزاعات الطويلة لا تستمر لأنها تحقق فوائد، بل لأنها أصبحت جزءًا من هوية الأطراف، أو لأنهم يرفضون التراجع بعد أن استثمروا فيها وقتًا، أو مالًا، أو مشاعر كثيرة.
| قبل الصراع. | بعد الصراع. |
|---|---|
| موارد أكبر. | موارد أقل. |
| علاقات مستقرة. | ثقة منخفضة. |
| فرص تعاون. | عداء، و توتر. |
| قيمة مرتفعة. | قيمة مدمرة. |
أحد أهم الأسباب هو ما يعرف في علم النفس، و الإقتصاد بـمغالطة التكلفة الغارقة (Sunk Cost Fallacy)، حيث يواصل الإنسان الصراع لأنه استثمر فيه كثيرًا، فيعتقد أن التراجع يعني خسارة كل ما بذله، بينما الحقيقة أن الإستمرار قد يزيد حجم الخسائر أكثر.
كما تؤدي المشاعر القوية، مثل الغضب، أو الكبرياء، أو الرغبة في الإنتقام، إلى تقليل التفكير العقلاني، و زيادة القرارات الإندفاعية، مما يجعل إنهاء الصراع أكثر صعوبة.
أحيانًا يكون أفضل انتصار هو إنهاء الصراع قبل أن يدمر الجميع.
بعد التعرف على الأنواع الثلاثة الأساسية للألعاب، يصبح السؤال الأهم هو: كيف نحدد نوع اللعبة التي نعيشها؟ وهل يمكن تحويل لعبة صفرية، أو حتى سلبية، إلى لعبة ذات محصلة إيجابية؟ وهذا ما سنناقشه في القسم التالي عند دراسة كيفية تحليل المواقف، و اختيار الإستراتيجية المناسبة.
بعد التعرف على الألعاب ذات المحصلة الإيجابية، و الألعاب صفرية المحصلة، و الألعاب ذات المحصلة السلبية، تظهر الخطوة الأكثر أهمية، وهي القدرة على تشخيص نوع اللعبة قبل اتخاذ أي قرار. فاختيار الإستراتيجية الصحيحة لا يعتمد فقط على مهارات التفاوض، أو المنافسة، بل يبدأ أولًا بفهم طبيعة الموقف الذي تتعامل معه.
يقع كثير من الناس في أخطاء كبيرة لأنهم يسيئون تفسير اللعبة. فقد يتعامل شخص مع فرصة تعاون على أنها منافسة، أو يتعامل مع منافسة طبيعية وكأنها حرب يجب فيها تدمير الطرف الآخر، أو يستمر في صراع مدمر رغم أن الجميع أصبح يخسر.
الإستراتيجية الصحيحة تبدأ من تشخيص اللعبة الصحيحة، لا من اختيار أقوى وسيلة للفوز.
أول سؤال يجب طرحه هو: هل المورد الذي نتنافس عليه محدود بطبيعته، أم يمكن توسيعه؟ فإذا كان المورد قابلًا للنمو، فمن المحتمل أن تكون اللعبة ذات محصلة إيجابية. أما إذا كان المورد ثابتًا، فقد تكون اللعبة صفرية المحصلة.
هل يمكن زيادة القيمة؟
نعم
↓
غالبًا محصلة إيجابية
لا
↓
قد تكون محصلة صفرية
إذا أدى استمرار الصراع إلى زيادة الخسائر لجميع الأطراف، فإن اللعبة بدأت تتحول إلى محصلة سلبية. وهنا يصبح إنهاء النزاع أكثر أهمية من محاولة تحقيق انتصار محدود.
| السؤال. | ما الذي يدل عليه؟ |
|---|---|
| هل يمكن للجميع الاستفادة؟ | محصلة إيجابية. |
| هل يوجد فائز واحد فقط؟ | محصلة صفرية. |
| هل الجميع يخسر مع استمرار الصراع؟ | محصلة سلبية. |
يرجع ذلك غالبًا إلى تأثير المشاعر، و المعتقدات، و التجارب السابقة. فقد يرى شخص أن كل موقف هو معركة يجب الفوز بها، بينما يرى آخر أن الجميع يمكن أن يتعاونوا حتى في المواقف التي تتطلب منافسة واضحة. كما تؤدي الأنانية، أو الخوف، أو سوء التواصل إلى تشويه إدراك طبيعة اللعبة.
المشكلة ليست دائمًا في اللعبة نفسها، بل في الطريقة التي نفسرها بها.
قبل اختيار أي إستراتيجية، اسأل نفسك: هل أستطيع خلق قيمة جديدة؟ هل المورد محدود فعلًا؟ هل استمرار الصراع سيزيد المكاسب أم سيزيد الخسائر؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد على اختيار الأسلوب المناسب، سواء كان التعاون، أو المنافسة، أو إنهاء النزاع قبل تفاقمه.
بعد أن تعلمنا كيفية تشخيص نوع اللعبة، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن تغيير نوع اللعبة نفسها؟ وهل يستطيع الإنسان تحويل لعبة صفرية، أو حتى لعبة سلبية، إلى لعبة تحقق مكاسب للجميع؟ وهذا ما سنتناوله في القسم التالي.
تعلمنا نظرية الألعاب (Game Theory) أن النجاح لا يعتمد فقط على الذكاء، أو القوة، أو سرعة اتخاذ القرار، بل يبدأ أولًا بفهم طبيعة الموقف الذي نتعامل معه. فقبل أن نختار الإستراتيجية المناسبة، يجب أن نعرف نوع اللعبة التي نلعبها، لأن كل نوع يتطلب أسلوبًا مختلفًا في التفكير، و التفاوض، و اتخاذ القرار.
أوضحت النظرية أن التفاعل بين الأفراد، أو الشركات، أو الدول لا ينتمي إلى نمط واحد، بل يمكن تصنيفه إلى ثلاثة أنواع رئيسية تختلف في طريقة توزيع المكاسب، و الخسائر، و في طبيعة العلاقات بين الأطراف.
| نوع اللعبة. | النتيجة الأساسية. |
|---|---|
| المحصلة الإيجابية. | الجميع يربح. |
| المحصلة الصفرية. | فوز طرف يقابله خسارة طرف آخر. |
| المحصلة السلبية. | الجميع يخسر. |
رأينا أن الألعاب ذات المحصلة الإيجابية تعد الأفضل على المدى الطويل، لأنها تعتمد على التعاون، و خلق قيمة جديدة، و بناء الثقة، مما يسمح لجميع الأطراف بتحقيق مكاسب مستدامة. أما الألعاب صفرية المحصلة فهي طبيعية عندما تكون الموارد محدودة، أو عندما يوجد فائز واحد فقط، بينما تمثل الألعاب ذات المحصلة السلبية أخطر المواقف، لأنها تستنزف الموارد، و تدمر العلاقات، و تقلل القيمة للجميع.
التفكير الإستراتيجي الحقيقي لا يبدأ بالسؤال: كيف أفوز؟ بل يبدأ بالسؤال: ما نوع اللعبة التي ألعبها؟
كما تعلمنا أن كثيرًا من المواقف التي تبدو تنافسية يمكن تحويلها إلى ألعاب ذات محصلة إيجابية إذا تم تغيير طريقة التفكير، أو توسيع الموارد، أو البحث عن حلول تحقق منفعة متبادلة. وفي المقابل، فإن تجاهل طبيعة اللعبة قد يدفع الإنسان إلى الدخول في صراعات غير ضرورية تنتهي بخسارة الجميع.
ولهذا فإن إحدى أهم مهارات التفكير الإستراتيجي هي القدرة على التمييز بين المواقف التي تحتاج إلى التعاون، و تلك التي تتطلب المنافسة، و المواقف التي يكون فيها أفضل قرار هو إيقاف الصراع قبل أن يتحول إلى لعبة ذات محصلة سلبية.
حدِّد نوع اللعبة
↓
اختر الإستراتيجية المناسبة
↓
اسعَ إلى خلق قيمة جديدة
↓
تجنب الصراعات التي يخسر فيها الجميع
وفي النهاية، تذكر أن أعظم الإنجازات في الحياة، و الأعمال، و العلاقات لا تتحقق دائمًا بهزيمة الآخرين، بل تتحقق غالبًا عندما ينجح الجميع في تحقيق نتائج أفضل مما كانوا يعتقدون أنه ممكن.
التطوير الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن التكيف مع توقعات الآخرين و تبدأ في وضع قواعدك الخاصة. من خلال باقاتنا التدريبية، نركز على تحريرك من الأنماط المعيقة، تعزيز ثقتك في قراراتك، و بناء حضور شخصي واثق ينعكس إيجاباً على كل جوانب حياتك. إستثمر في وعيك، و حوّل إمكانياتك إلى نتائج ملموسة.
إبدأ رحلة التغيير الآن© 2022 جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة. طارق الوهبي.