لا تتكون شخصية الإنسان من أفكاره أو مشاعره فقط، بل من منظومة مترابطة تبدأ بالمعتقدات الجوهرية التي يحملها عن نفسه و عن الآخرين و عن العالم. و تؤثر هذه المعتقدات في طريقة التفكير، ثم تولد المشاعر، و تدفع إلى أفعال معينة، فتنتج عنها تجارب تؤكد تلك المعتقدات أو تغيرها. و لهذا السبب قد يجد الإنسان نفسه يكرر نفس الأنماط السلوكية و العاطفية طوال حياته دون أن يدرك السبب الحقيقي. و يساعد فهم هذه الدورة على كسر الأنماط السلبية، و بناء معتقدات أكثر صحة، و تحسين جودة الحياة و العلاقات و الأداء الشخصي.
المعتقدات الجوهرية هي الأفكار العميقة التي يكونها الإنسان عن نفسه و عن الآخرين و عن العالم. و غالبًا ما تتكون في مرحلة الطفولة نتيجة التربية، و الأسرة، و المدرسة، و الثقافة، و الخبرات الشخصية، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها الحياة. و لا تكون جميع المعتقدات صحيحة، لكنها تبدو لصاحبها وكأنها حقائق مطلقة لأنها ترسخت عبر سنوات طويلة من التكرار و التجارب.
الأفكار هي الحوار الداخلي و التفسيرات و التوقعات التي ينتجها العقل بشكل مستمر. و لا تنشأ الأفكار من فراغ، بل تتأثر بصورة مباشرة بالمعتقدات الجوهرية التي يحملها الإنسان. فإذا كان الشخص يعتقد أنه قادر على النجاح، فسيفسر التحديات على أنها فرص للتعلم. أما إذا كان يعتقد أنه غير كفء، فسيرى نفس الموقف كدليل جديد على فشله. لذلك فإن الأفكار تمثل الجسر الذي ينقل تأثير المعتقدات إلى المشاعر و السلوك.
المشاعر هي الإستجابة النفسية و الجسدية التي تنتج عن تفسير الإنسان للمواقف المختلفة. و في أغلب الأحيان لا تنشأ المشاعر من الحدث نفسه، بل من الأفكار التي كونها الإنسان حول ذلك الحدث. لذلك قد يمر شخصان بنفس التجربة، لكن يشعر كل منهما بمشاعر مختلفة بسبب إختلاف معتقداتهما و طريقة تفسيرهما للموقف.
الأفعال هي السلوكيات و القرارات و التصرفات التي يقوم بها الإنسان إستجابةً لأفكاره و مشاعره. فهي تمثل الجانب الظاهر من دورة المعتقدات الجوهرية، حيث تتحول العمليات العقلية الداخلية إلى سلوك يمكن ملاحظته. و لذلك فإن تغيير النتائج في الحياة يتطلب غالبًا تغيير الأفعال، لكن هذا التغيير يكون أكثر إستدامة عندما يبدأ من تعديل المعتقدات و الأفكار التي تقف خلف تلك الأفعال.
التجارب هي النتائج التي يعيشها الإنسان نتيجة أفعاله و تفاعله مع الحياة. و تتحول هذه التجارب مع مرور الوقت إلى ذكريات و خبرات يستخدمها العقل لتكوين أو تعزيز المعتقدات الجوهرية. فإذا تكررت نفس التجربة مرات عديدة، أصبح تأثيرها أقوى على طريقة تفكير الإنسان و نظرته لنفسه و للعالم.
توضح الصورة أن المعتقدات لا تعمل بمعزل عن بقية الجوانب النفسية، بل تدخل في دورة مستمرة تؤثر فيها جميع العناصر ببعضها البعض. تبدأ الدورة بمعتقدات الإنسان عن نفسه و عن الآخرين و عن العالم، فتولد أفكارًا تتوافق مع تلك المعتقدات، ثم تنتج هذه الأفكار مشاعر معينة، فتقود إلى أفعال و سلوكيات محددة، و تنتهي بتجارب و نتائج جديدة. و عندما يفسر الإنسان هذه التجارب، فإنها غالبًا تعزز معتقداته السابقة، فتبدأ الدورة من جديد. لذلك قد تستمر بعض الأنماط النفسية لسنوات طويلة إذا لم ينتبه الإنسان إلى مصدرها الحقيقي.
لنفترض أن شخصًا يحمل المعتقد الجوهري: "أنا لست جيدًا بما يكفي." سيؤثر هذا المعتقد في جميع مراحل الدورة.
بهذه الطريقة تستمر الدورة، ليس لأن المعتقد صحيح، بل لأن السلوك الناتج عنه يؤدي إلى نتائج تؤكده.
إذا كان الإنسان يحمل معتقدًا صحيًا مثل: "أستطيع التعلم و التطور." فإن الدورة ستعمل في الإتجاه المعاكس.
لأن جميع عناصر الدورة مترابطة، فإن تغيير أي عنصر منها يمكن أن يؤثر في بقية العناصر. و مع ذلك، يكون التغيير أكثر إستدامة عندما يبدأ من المعتقدات الأساسية التي تغذي بقية الدورة.
يساعد هذا التمرين على اكتشاف الدورة الخاصة بك و تحديد النقطة التي يمكنك البدء منها لإحداث تغيير حقيقي.
تشكل المعتقدات الجوهرية الأساس الذي يبني عليه الإنسان أفكاره، ثم تتحول هذه الأفكار إلى مشاعر، و تؤثر المشاعر في الأفعال، فتنتج عنها تجارب تعزز المعتقدات مرة أخرى. و لهذا السبب فإن تغيير الحياة لا يعتمد فقط على تغيير السلوك، بل يبدأ بفهم المعتقدات العميقة التي تقود ذلك السلوك. و كلما أصبح الإنسان أكثر وعيًا بهذه الدورة، إستطاع التخلص من الأنماط السلبية، و بناء معتقدات أكثر صحة، و تطوير طريقة تفكيره، و تحسين مشاعره، و تغيير سلوكياته، مما يقوده إلى تجارب أكثر نجاحًا و حياة أكثر توازنًا و رضًا.
© 2022 جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة. طارق الوهبي.