يعاني كثير من الأشخاص، حتى أصحاب الكفاءة العالية، من شعور داخلي بأنهم لا يستحقون نجاحهم أو أنهم خدعوا الآخرين في تقدير قدراتهم. تعرف هذه الحالة باسم متلازمة المحتال (Impostor Syndrome). و لا تعني هذه المتلازمة أن الشخص غير كفء، بل على العكس، فهي تصيب في كثير من الأحيان الأشخاص المجتهدين و الطموحين الذين يضعون معايير مرتفعة جدًا لأنفسهم.
تكمن خطورة متلازمة المحتال في أنها لا تظهر مرة واحدة فقط، بل تتحول إلى دورة نفسية متكررة. يبدأ الشخص بمهمة جديدة، ثم يشك في نفسه، فيلجأ إما إلى التسويف أو إلى الإفراط في التحضير، ثم ينجح في النهاية، لكنه لا ينسب نجاحه إلى كفاءته، بل إلى الحظ أو إلى المجهود الزائد، فيعود الشعور بالنقص من جديد مع أي مهمة لاحقة. و يؤدي إستمرار هذه الدورة إلى الإرهاق النفسي و إنخفاض الثقة بالنفس رغم وجود إنجازات حقيقية.
تبدأ الدورة عندما يواجه الإنسان مشروعًا جديدًا أو مهمة تتطلب منه الأداء أو تحمل المسؤولية. و بدلًا من النظر إلى المهمة بإعتبارها فرصة للتعلم و النمو، يبدأ الشخص المصاب بمتلازمة المحتال في التركيز على إحتمال الفشل أو ارتكاب الأخطاء.
لا يكون مصدر القلق هو المهمة نفسها، بل الطريقة التي يفسر بها الشخص الموقف. فهو يعتقد أن نجاحاته السابقة كانت مجرد صدفة أو نتيجة ظروف خاصة، و يخشى أن يكتشف الآخرون في هذه المهمة أنه ليس بالكفاءة التي يعتقدونها.
بعد ظهور المهمة يبدأ العقل في إنتاج أفكار سلبية مثل: "أنا لست مؤهلًا"، "سأفشل"، "سوف يكتشف الجميع أنني لا أستحق هذا النجاح". و تؤدي هذه الأفكار إلى إرتفاع مستوى القلق و التوتر و إنخفاض الثقة بالنفس.
هذه المشاعر لا تعكس الحقيقة، بل تعكس طريقة تفسير الشخص للموقف. فالكثير من الأشخاص الذين يعانون من متلازمة المحتال يمتلكون كفاءة حقيقية، لكنهم يفسرون أي نجاح على أنه مجرد حظ أو ظرف مؤقت.
عندما يصبح القلق شديدًا، قد يلجأ الشخص إلى تأجيل العمل بدلاً من البدء فيه. و لا يكون التسويف في هذه الحالة ناتجًا عن الكسل، بل عن الخوف من الفشل أو من عدم تحقيق المستوى المثالي الذي يتوقعه الشخص من نفسه.
يمنح التأجيل شعورًا مؤقتًا بالراحة لأنه يؤجل مواجهة القلق، لكنه في الحقيقة يزيد الضغط النفسي مع مرور الوقت. و كلما إقترب موعد تسليم المهمة، إرتفع مستوى التوتر و أصبح الإنجاز أكثر صعوبة.
يسلك بعض الأشخاص طريقًا مختلفًا عن التسويف، فيقضون وقتًا طويلًا جدًا في جمع المعلومات و مراجعة التفاصيل و إعادة العمل مرات عديدة قبل البدء الفعلي أو قبل تسليم المهمة.
يعتقد الشخص أن المزيد من التحضير سيزيل شعوره بعدم الكفاءة، لكن هذا الشعور لا يختفي غالبًا، فيستمر في البحث عن الكمال و يشعر بأنه لم يصبح جاهزًا بعد مهما بذل من جهد.
رغم القلق أو التسويف أو الإفراط في التحضير، يتمكن الشخص في النهاية من إنجاز المهمة بنجاح. و في كثير من الحالات يكون مستوى الأداء مرتفعًا بالفعل، إلا أن الشخص لا يرى هذا النجاح دليلاً على كفاءته.
بعد إنتهاء المهمة يشعر الشخص براحة مؤقتة لأنه تجاوز الموقف الذي كان يخشاه. لكن هذا الإرتياح لا يدوم طويلًا، لأنه لا يعالج السبب الحقيقي، و هو طريقة التفكير السلبية إتجاه الذات.
يحصل الشخص عادة على كلمات تقدير أو إشادة من المدير أو العملاء أو الزملاء أو الأساتذة نتيجة نجاحه. و تمثل هذه الردود دليلًا خارجيًا على جودة أدائه و كفاءته.
بعد النجاح و تلقي كلمات التقدير، لا يسمح الشخص المصاب بمتلازمة المحتال لهذه الملاحظات بأن تغير نظرته إلى نفسه. فهو يقلل من قيمة نجاحه، و يبحث عن تفسيرات أخرى لا تعكس كفاءته الحقيقية. فقد يعتقد أن نجاحه كان نتيجة الحظ، أو أن المهمة كانت سهلة، أو أن الآخرين بالغوا في مدحه، أو أنهم لم يكتشفوا ضعفه الحقيقي بعد.
يؤدي هذا السلوك إلى فقدان فرصة بناء الثقة بالنفس تدريجيًا، لأن كل نجاح يتم تفسيره بطريقة تمنع الإنسان من الإعتراف بقدراته. و مع مرور الوقت تصبح هذه الطريقة في التفكير عادة ذهنية تجعل الشخص غير قادر على الإستفادة من أي دليل يثبت كفاءته.
بعد تجاهل النجاحات، يعود الشخص إلى الشعور بأنه لا يستحق المكانة التي وصل إليها، و يبدأ في الإعتقاد بأنه يخدع الآخرين أو أنه سينكشف في أي لحظة. و مع تكرار هذه الدورة قد تتحول المشاعر المؤقتة إلى قلق مزمن أو إنخفاض في تقدير الذات، و قد يصاحبها الإحباط أو الإكتئاب لدى بعض الأشخاص.
تكمن المشكلة في أن النجاح السابق لا يصبح مصدرًا للثقة، بل يتحول إلى مصدر ضغط إضافي، لأن الشخص يخشى ألا يستطيع تكراره مرة أخرى. و عندما تظهر مهمة جديدة، تعود الدورة من بدايتها، فيعيش الإنسان نفس المشاعر و نفس السلوكيات مرة بعد أخرى.
لا يتم التخلص من متلازمة المحتال بمجرد النجاح، لأن المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءة، بل في تفسير الإنسان لنجاحاته و إخفاقاته. لذلك فإن كسر هذه الدورة يتطلب تغيير طريقة التفكير أكثر من زيادة الجهد.
توضح دورة المحتال أن المشكلة الأساسية ليست ضعف الكفاءة، بل الطريقة التي يفسر بها الإنسان نجاحاته و قدراته. فالشخص يواجه مهمة جديدة، ثم يشعر بالقلق و الشك في نفسه، فيلجأ إلى التسويف أو الإفراط في التحضير، ثم ينجح، لكنه ينسب نجاحه إلى الحظ أو الظروف بدلًا من مهاراته، فيتجاهل الملاحظات الإيجابية و يعود مرة أخرى إلى الشعور بأنه لا يستحق نجاحه. و تستمر هذه الحلقة في التكرار ما لم يتعلم الإنسان الإعتراف بقدراته، و تقبل نجاحاته، و بناء ثقته بنفسه على الأدلة الواقعية بدلًا من الأفكار السلبية. و كلما أدرك الإنسان هذه الدورة و فهم آلياتها، أصبح أكثر قدرة على كسرها، و الإستمتاع بإنجازاته، و مواصلة نموه الشخصي و المهني بثقة و توازن.
© 2022 جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة. طارق الوهبي.