يخلط كثير من الناس بين الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية، ويستخدمون هذه المصطلحات وكأنها تعني الشيء نفسه، بينما يوضح علم النفس، و علم الأعصاب أن لكل منها طبيعة مختلفة، و وظيفة خاصة، و طريقة تشكل مميزة. فالإنفعال يمثل الإستجابة البيولوجية السريعة التي يطلقها الدماغ عند مواجهة حدث معين، بينما يمثل الشعور التجربة الواعية التي يبنيها الإنسان بعد تفسير ذلك الإنفعال، أما الحالة المزاجية فهي حالة عاطفية عامة قد تستمر لساعات، أو أيام، وتؤثر في طريقة التفكير، و اتخاذ القرارات، و التفاعل مع الآخرين. إن فهم الفروق الدقيقة بين هذه المفاهيم يساعد الإنسان على زيادة وعيه بنفسه، و تحسين تنظيمه الإنفعالي، و بناء علاقات أكثر صحة، و اتخاذ قرارات أكثر حكمة، و التعامل مع الضغوط بصورة أكثر فعالية.
تمثل الإنفعالات أول استجابة يطلقها الدماغ عندما يواجه حدثًا، أو موقفًا، أو تغيرًا في البيئة المحيطة. فهي نظام بيولوجي متطور صممته الطبيعة لمساعدتنا على البقاء، و التكيف، و اتخاذ قرارات سريعة قبل أن يبدأ العقل الواعي في التفكير المنطقي. ولهذا فإن الإنفعال يسبق التفكير الواعي في كثير من المواقف، لأنه يمثل آلية دفاع، و حماية، و تواصل أساسية لدى الإنسان.
فعندما يسمع الإنسان صوت انفجار مفاجئ، أو يرى سيارة تتجه نحوه بسرعة، لا يبدأ الدماغ أولًا في تحليل الموقف منطقيًا، بل يطلق استجابة إنفعالية فورية، مثل الخوف، ليهيئ الجسم للتعامل مع الخطر خلال أجزاء من الثانية. وبعد ذلك فقط يبدأ العقل الواعي في تفسير ما حدث.
الإنفعال هو لغة الدماغ السريعة، أما التفكير فهو لغته المتأنية.
الإنفعال هو استجابة نفسية، و عصبية، و فسيولوجية سريعة، و تلقائية، تظهر عند تعرض الإنسان لمحفز داخلي، أو خارجي. ويتميز بأنه يحدث بصورة شبه فورية، و لا يحتاج إلى قرار واعٍ، لأنه يعتمد على أنظمة عصبية تطورت عبر ملايين السنين لحماية الإنسان، و مساعدته على التكيف مع البيئة.
ويستمر الإنفعال عادة من عدة ثوانٍ إلى عدة دقائق فقط، ثم يبدأ بالإنخفاض تدريجيًا إذا لم يستمر المحفز، أو إذا لم يقم الإنسان بتغذيته بأفكار جديدة.
لا تعد الإنفعالات مجرد مشاعر مزعجة، أو ممتعة، بل هي أدوات بقاء. فهي تساعد الإنسان على اكتشاف الأخطار، و البحث عن الفرص، و بناء العلاقات، و حماية نفسه، و اتخاذ قرارات سريعة عندما لا يسمح الوقت بالتفكير المطول.
فعلى سبيل المثال، يدفع الخوف الإنسان إلى الهروب من الخطر، بينما يدفعه الغضب إلى الدفاع عن حدوده، و تساعده السعادة على تكرار السلوكيات المفيدة، في حين يساعده الحزن على طلب الدعم، و إعادة تقييم ما فقده.
لا يتكون الإنفعال من عنصر واحد، بل هو نتيجة تفاعل عدة عمليات تحدث بصورة متزامنة داخل الدماغ، و الجسم.
| المكون | الدور |
|---|---|
| المحفز. | الحدث الذي يبدأ الإستجابة. |
| تقييم الدماغ. | تحديد ما إذا كان الموقف يمثل تهديدًا، أو فرصة. |
| الإستجابة الفسيولوجية. | تنشيط الجسم للتصرف بسرعة. |
| الخبرة الذاتية. | الإحساس الداخلي بالإنفعال. |
| التعبير السلوكي. | ملامح الوجه، و نبرة الصوت، و حركة الجسم. |
تشير كثير من الدراسات النفسية، و العصبية إلى وجود مجموعة من الإنفعالات الأساسية التي تظهر لدى جميع البشر، بغض النظر عن الثقافة، أو اللغة، أو البيئة التي يعيشون فيها.
تختلف الثقافات في طريقة التعبير عن الإنفعال، لكنها لا تختلف في وجوده.
لكن الإنفعال لا يمثل التجربة النفسية الكاملة، فهو مجرد الإستجابة الأولية التي يطلقها الدماغ. وبعد حدوثه يبدأ العقل الواعي في تفسيره، و إعطائه معنى شخصيًا، وهنا تظهر المشاعر، التي سنتعرف عليها في القسم التالي.
بعد أن يطلق الدماغ الإنفعال الأولي، تبدأ المرحلة الثانية من التجربة العاطفية، وهي المشاعر. ورغم أن كثيرًا من الناس يستخدمون كلمتي الإنفعال، و الشعور بالتبادل، فإن علم النفس، و علم الأعصاب يميزان بينهما بوضوح. فالإنفعال هو الإستجابة البيولوجية السريعة، أما الشعور فهو التجربة الواعية التي يبنيها الإنسان بعد تفسير ذلك الإنفعال، و ربطه بأفكاره، و معتقداته، و ذكرياته، و خبراته السابقة.
ولهذا يمكن لشخصين أن يختبرا الإنفعال نفسه، لكن يشعر كل منهما بشيء مختلف تمامًا. فقد يختبر كلاهما إنفعال الخوف، لكن أحدهما يشعر بالحماس لأنه يرى الموقف تحديًا، بينما يشعر الآخر بالعجز لأنه يراه تهديدًا. فالإنفعال واحد، لكن الشعور مختلف، لأن طريقة التفسير مختلفة.
الإنفعال يحدث لك... أما الشعور فهو الطريقة التي يفسر بها عقلك ذلك الإنفعال.
الشعور هو الخبرة الذاتية الواعية التي يعيشها الإنسان بعد تفسير الإنفعال. فهو يمثل المعنى الشخصي الذي يعطيه العقل لما يحدث داخل الجسم، ولذلك يختلف من شخص إلى آخر، حتى عند التعرض للموقف نفسه.
وبخلاف الإنفعالات، التي تظهر بصورة تلقائية، فإن المشاعر تتأثر بدرجة كبيرة بطريقة التفكير، و بالمعتقدات، و بالقيم، و بالثقافة، و بالتجارب السابقة، و بالصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه، و عن العالم.
عندما يطلق الدماغ إنفعالًا معينًا، يبدأ العقل الواعي في طرح أسئلة داخلية بصورة سريعة جدًا، مثل: ماذا يعني هذا الموقف؟ هل يمثل تهديدًا؟ هل أنا السبب؟ هل أستطيع التعامل معه؟ ومن خلال الإجابة عن هذه الأسئلة تتكون المشاعر.
ولهذا فإن الشعور ليس نسخة أخرى من الإنفعال، بل هو نتيجة عملية تفسير معرفية معقدة يشارك فيها التفكير، و الذاكرة، و التوقعات، و الخبرات السابقة.
| العامل | كيف يؤثر؟ |
|---|---|
| المعتقدات. | تحدد معنى الأحداث. |
| الذكريات. | تربط الموقف بخبرات سابقة. |
| الشخصية. | تؤثر في طريقة الإستجابة. |
| القيم. | تحدد ما يعتبر مهمًا. |
| الثقافة. | تؤثر في تفسير المواقف. |
| التوقعات. | تغير طريقة تقييم الحدث. |
لا يشعر الإنسان بما يحدث له فقط، بل بما يعنيه ذلك الحدث بالنسبة إليه.
لأن كل إنسان يمتلك تاريخًا مختلفًا من التجارب، و المعتقدات، و القيم، و الذكريات. ولهذا فإن الموقف الواحد قد يثير مشاعر مختلفة عند أشخاص مختلفين. فقد يرى أحدهم الإنتقاد فرصة للتعلم، بينما يراه شخص آخر تهديدًا لصورته الذاتية.
وهذا يفسر لماذا لا يكون الحدث الخارجي وحده مسؤولًا عن مشاعرنا، بل الطريقة التي نفسره بها هي العامل الأكثر تأثيرًا.
وعلى الرغم من أن المشاعر قد تستمر لفترة أطول من الإنفعالات، فإنها لا تمثل الخلفية العاطفية العامة التي يعيشها الإنسان. فعندما تتكرر المشاعر، و تتفاعل مع النوم، و الصحة، و البيئة، و الضغوط، قد تتطور إلى حالة مزاجية تستمر لساعات، أو أيام، وهو ما سنتعرف عليه في القسم التالي.
بعد أن تعرفنا على الإنفعالات باعتبارها الإستجابات البيولوجية السريعة، و على المشاعر بوصفها التجربة الواعية الناتجة عن تفسير تلك الإنفعالات، نصل إلى المستوى الثالث من التجربة العاطفية، وهو الحالات المزاجية. وتعد الحالة المزاجية أكثر اتساعًا، و أطول مدة من الإنفعال، و الشعور، لأنها لا ترتبط غالبًا بحدث محدد، بل تشكل الخلفية العاطفية العامة التي يعيش الإنسان في ظلها خلال ساعات، أو أيام، وأحيانًا لفترات أطول.
فعلى سبيل المثال، قد يستيقظ الإنسان وهو يشعر بانزعاج عام، أو بهدوء، أو بتفاؤل، أو بتوتر، دون أن يستطيع تحديد السبب بدقة. وفي هذه الحالة لا يكون هناك محفز واضح كما يحدث مع الإنفعالات، وإنما يكون الإنسان تحت تأثير حالة مزاجية تؤثر في طريقة رؤيته للأحداث، و تفسيره للمواقف، و تعامله مع الآخرين.
الإنفعال يشبه موجة سريعة، أما الحالة المزاجية فتشبه المناخ الذي تعيش فيه تلك الموجة.
الحالة المزاجية هي حالة عاطفية عامة، و ممتدة نسبيًا، تؤثر في التفكير، و الإدراك، و اتخاذ القرارات، و السلوك، دون أن تكون مرتبطة بالضرورة بسبب واضح، أو حدث معين. ولهذا فإنها تمثل الخلفية النفسية التي ينظر الإنسان من خلالها إلى العالم.
وبخلاف الإنفعال، الذي يكون شديدًا، و قصير المدة، فإن الحالة المزاجية غالبًا ما تكون أقل شدة، لكنها تستمر لفترة أطول، وقد تؤثر في جميع جوانب الحياة اليومية.
لا تتكون الحالة المزاجية من حدث واحد فقط، وإنما تتأثر بمجموعة كبيرة من العوامل البيولوجية، و النفسية، و البيئية التي تتفاعل معًا بصورة مستمرة.
| العامل | تأثيره |
|---|---|
| النوم. | قلة النوم تزيد العصبية، و تقلل الإستقرار الإنفعالي. |
| الصحة الجسدية. | الأمراض، و الإرهاق يؤثران في المزاج. |
| الهرمونات. | تغيرات هرمونية قد تغير الحالة المزاجية. |
| الضغوط. | الضغط المستمر قد يؤدي إلى مزاج سلبي. |
| التغذية. | سوء التغذية يؤثر في كيمياء الدماغ. |
| البيئة. | الإضاءة، و الضوضاء، و ترتيب المكان تؤثر في المزاج. |
| العلاقات الإجتماعية. | الدعم، أو الصراعات تؤثر بصورة كبيرة. |
قد لا تستطيع دائمًا اختيار مزاجك، لكنك تستطيع التأثير فيه من خلال أسلوب حياتك.
عندما يكون الإنسان في مزاج إيجابي، يميل إلى رؤية الفرص، و التفكير بإبداع، و اتخاذ قرارات أكثر تفاؤلًا. أما عندما يكون في مزاج سلبي، فقد يركز بصورة أكبر على الأخطار، و الأخطاء، و الجوانب السلبية، حتى لو كانت الظروف الموضوعية لم تتغير.
ولهذا فإن الحالة المزاجية لا تغير الواقع نفسه، لكنها تغير الطريقة التي يدرك بها الإنسان ذلك الواقع.
| الشعور | الحالة المزاجية |
|---|---|
| يرتبط بإنفعال محدد. | قد لا يكون له سبب واضح. |
| أكثر تحديدًا. | أكثر عمومية. |
| يرتبط بموقف معين. | يؤثر في جميع المواقف. |
| غالبًا أقصر مدة. | غالبًا أطول مدة. |
بعد أن تعرفنا بصورة مستقلة على الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية، أصبح من السهل فهم الفروق الدقيقة بينها. وفي القسم التالي سنقارن بينها بصورة مباشرة من خلال جدول شامل يوضح الاختلافات الأساسية في المدة، و الشدة، و الأسباب، و التأثير في السلوك، و التفكير.
بعد التعرف بصورة منفصلة على الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية، يصبح من الأسهل ملاحظة أن هذه المفاهيم مترابطة، لكنها ليست متطابقة. فكثير من سوء الفهم يحدث لأن الإنسان يعتقد أن ما يشعر به الآن هو نفسه الإنفعال الذي بدأ قبل دقائق، بينما يكون في الحقيقة قد انتقل بالفعل إلى مستوى آخر من التجربة النفسية.
فالإنفعال يمثل البداية، و الشعور يمثل التفسير الواعي لذلك الإنفعال، أما الحالة المزاجية فتمثل الخلفية العاطفية العامة التي قد تستمر لفترة طويلة، و تؤثر في طريقة رؤية الإنسان للعالم بأكمله.
ليست جميع المشاعر إنفعالات، وليست جميع الحالات المزاجية مشاعر، لكنها جميعًا أجزاء مترابطة من التجربة الإنسانية.
| المعيار | الإنفعال | الشعور | الحالة المزاجية |
|---|---|---|---|
| المدة. | ثوانٍ إلى دقائق. | دقائق إلى ساعات. | ساعات إلى أيام، أو أكثر. |
| الشدة. | مرتفعة. | متوسطة. | منخفضة إلى متوسطة. |
| السبب. | محفز واضح غالبًا. | تفسير الإنفعال. | قد لا يكون له سبب واضح. |
| درجة الوعي. | يبدأ بصورة تلقائية. | واعٍ. | واعية غالبًا، لكن قد يصعب تفسير سببها. |
| التغيرات الجسدية. | واضحة، و قوية. | أقل وضوحًا. | محدودة نسبيًا. |
| التأثر بالأفكار. | جزئي. | مرتفع جدًا. | متوسط. |
| نطاق التأثير. | حدث محدد. | تجربة شخصية. | الحالة النفسية العامة. |
| المفهوم | وظيفته الأساسية |
|---|---|
| الإنفعال. | إعداد الجسم للاستجابة السريعة. |
| الشعور. | إعطاء الإنفعال معنى شخصيًا. |
| الحالة المزاجية. | تشكيل الخلفية العاطفية العامة التي تؤثر في التفكير، و السلوك. |
لأن هذه العمليات تحدث بسرعة كبيرة، و بصورة متداخلة. فالإنفعال يظهر أولًا خلال أجزاء من الثانية، ثم يبدأ العقل في تفسيره لينتج الشعور، وإذا استمرت هذه المشاعر، أو تكررت، فإنها قد تتحول تدريجيًا إلى حالة مزاجية عامة. ولهذا يشعر الإنسان وكأنها تجربة واحدة، بينما هي في الحقيقة ثلاث عمليات نفسية مختلفة.
كل حالة مزاجية قد تبدأ بإنفعال، لكن ليست كل إنفعالاتنا تتحول إلى حالة مزاجية.
إن فهم هذه الفروق يساعد الإنسان على التعامل مع تجاربه العاطفية بصورة أكثر وعيًا، لأنه يدرك أن الإنفعال الأولي لا يحدد بالضرورة شعوره النهائي، و أن الحالة المزاجية ليست قدرًا ثابتًا، بل يمكن التأثير فيها من خلال تغيير طريقة التفكير، و أسلوب الحياة، و تنظيم المشاعر.
لفهم العلاقة الحقيقية بين الإنفعال، و الشعور، و الحالة المزاجية، لا يكفي دراسة كل مفهوم بصورة منفصلة، بل يجب النظر إليها على أنها حلقات متتابعة في عملية واحدة تبدأ منذ اللحظة التي يتعرض فيها الإنسان لحدث معين، ثم تستمر حتى تؤثر في طريقة رؤيته للعالم، و تعامله مع نفسه، و مع الآخرين.
ويبين هذا التسلسل أن التجربة العاطفية لا تحدث دفعة واحدة، وإنما تمر بعدة مراحل متتابعة، لكل مرحلة وظيفة مختلفة، و تأثير مختلف في السلوك، و التفكير.
ما يحدث خارجك لا يحدد حياتك مباشرة، بل الطريقة التي يمر بها ذلك الحدث داخل دماغك.
تبدأ العملية بوجود محفز داخلي، أو خارجي، مثل سماع خبر، أو رؤية شخص، أو تذكر موقف قديم، أو الشعور بألم جسدي، أو حتى التفكير في المستقبل. وهذا الحدث يمثل نقطة البداية فقط، لكنه لا يحدد وحده التجربة العاطفية النهائية.
بمجرد إدراك الحدث، يطلق الدماغ إنفعالًا سريعًا، مثل الخوف، أو الغضب، أو الفرح، أو الحزن. ويحدث ذلك بصورة تلقائية قبل أن يبدأ التفكير المنطقي، لأن الهدف هو تجهيز الجسم للتعامل مع الموقف بأسرع وقت ممكن.
بعد ظهور الإنفعال، يبدأ العقل الواعي في تفسير ما حدث، اعتمادًا على المعتقدات، و الخبرات السابقة، و الذكريات، و القيم، و الشخصية، و الثقافة. وهنا يبدأ الإنسان في إعطاء الحدث معنى شخصيًا.
ولهذا فإن شخصين قد يختبران الإنفعال نفسه، لكن يفسرانه بطرق مختلفة، فينتج عن ذلك مشاعر مختلفة.
ينتج الشعور عن التفسير الواعي للإنفعال. فهو لا يمثل الإستجابة البيولوجية نفسها، بل يمثل التجربة النفسية الشخصية التي يعيشها الإنسان بعد أن يفسر ما حدث.
فقد يؤدي إنفعال الخوف إلى الشعور بالحذر عند شخص، بينما يؤدي إلى الشعور بالعجز عند شخص آخر، بحسب طريقة تفسير كل منهما للموقف.
إذا استمرت المشاعر، أو تكررت مرات عديدة، فإنها تبدأ بالتأثير في المزاج العام. وعندها لا يعود الإنسان متأثرًا بالحدث الأصلي فقط، بل يصبح مزاجه العام هو الذي يؤثر في تفسير جميع الأحداث اللاحقة.
حدث
↓
إنفعال
↓
تفسير عقلي
↓
شعور
↓
تكرار المشاعر + العوامل البيولوجية + البيئة
↓
حالة مزاجية
لأنه يوضح أن الإنسان لا يستطيع دائمًا التحكم في الإنفعال الأولي، لكنه يستطيع التدخل في المراحل اللاحقة. فكلما ازداد وعيه بطريقة تفسيره للأحداث، أصبح أكثر قدرة على تنظيم مشاعره، و منعها من التحول إلى حالة مزاجية سلبية طويلة الأمد.
لا يمكنك دائمًا اختيار الإنفعال الأول، لكن يمكنك اختيار الطريقة التي ستتعامل بها معه.
بعد فهم هذا التسلسل، يصبح من السهل إدراك أن التحكم في الحياة العاطفية لا يعتمد فقط على كبت الإنفعالات، بل على تعلم تنظيمها، و فهمها، و إعادة تفسيرها بطريقة صحية. وفي القسم التالي سنتعرف على أهم المفاهيم النفسية، و العصبية المرتبطة بهذه العملية، وكيف يفسرها علم النفس الحديث.
لم تعد الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية مجرد موضوعات فلسفية، أو أوصافًا عامة للحياة النفسية، بل أصبحت من أكثر المجالات التي خضعت للدراسة في علم النفس، و علم الأعصاب، و الطب النفسي، و العلوم السلوكية. وقد ساهمت هذه الأبحاث في تفسير كيفية تشكل التجربة العاطفية داخل الدماغ، وكيف تؤثر في التفكير، و اتخاذ القرارات، و التعلم، و العلاقات، و الصحة الجسدية، و النفسية.
ويعد فهم هذه المفاهيم خطوة أساسية لأي شخص يسعى إلى تطوير ذكائه العاطفي، أو تحسين قدرته على تنظيم انفعالاته، أو فهم نفسه بصورة أعمق.
كلما فهمت الطريقة التي يعمل بها دماغك، أصبحت أكثر قدرة على قيادة مشاعرك بدل أن تقودك هي.
يشير مفهوم التقييم المعرفي إلى الطريقة التي يفسر بها الدماغ الحدث قبل أن يحدد معناه النهائي. فالحدث نفسه لا يخلق التجربة النفسية مباشرة، وإنما يعتمد تأثيره على الكيفية التي يفسره بها الإنسان.
ولهذا قد يرى شخص المقابلة الوظيفية فرصة لإثبات نفسه، بينما يراها شخص آخر تهديدًا للفشل، رغم أن الموقف واحد.
كثير من التفسيرات التي ينتج عنها الشعور لا تحدث بصورة واعية، بل تظهر على شكل أفكار تلقائية سريعة، مثل:
وتؤثر هذه الأفكار بصورة مباشرة في نوعية المشاعر التي يعيشها الإنسان، حتى لو كانت تلك الأفكار غير دقيقة، أو بعيدة عن الواقع.
لا يعني تنظيم الإنفعالات كبتها، أو تجاهلها، وإنما يعني القدرة على فهمها، و إدارتها، و التعبير عنها بطريقة صحية، بحيث تخدم الإنسان بدل أن تسيطر عليه.
ومن أشهر وسائل تنظيم الإنفعالات:
الذكاء العاطفي هو القدرة على التعرف إلى الإنفعالات، و المشاعر، وفهمها، وتنظيمها، واستخدامها بطريقة تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أفضل، وبناء علاقات صحية.
ويتكون عادة من خمسة عناصر رئيسية:
المرونة النفسية هي القدرة على التعافي بعد الضغوط، و الصدمات، و الإخفاقات. وهي لا تعني غياب المشاعر السلبية، وإنما تعني القدرة على العودة إلى التوازن النفسي بعد المرور بتجربة صعبة.
تشير اللدونة العصبية إلى قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه، و تكوين روابط عصبية جديدة نتيجة التعلم، و التكرار، و الخبرة. ولذلك فإن تنظيم المشاعر، و تغيير أنماط التفكير ليس أمرًا مستحيلًا، بل يمكن للدماغ أن يتعلم طرقًا جديدة للاستجابة مع مرور الوقت.
كل مرة تغير فيها طريقة تفسيرك لموقف ما، فأنت تساعد دماغك على بناء مسارات عصبية جديدة.
كثير من مشاعرنا لا تنتج عن الواقع نفسه، وإنما عن أخطاء التفكير التي يقع فيها الدماغ بصورة تلقائية، والتي تعرف بالتحيزات المعرفية.
ومن أشهرها:
يمثل الوعي الذاتي حجر الأساس في إدارة الحياة العاطفية، لأنه يسمح للإنسان بملاحظة ما يحدث داخله دون أن يندمج معه بصورة كاملة. فبدل أن يقول: "أنا غاضب."، يصبح قادرًا على القول: "أنا ألاحظ أنني أشعر بالغضب."
وهذا التحول البسيط يمنح مساحة بين الإنسان، و انفعاله، تسمح له باتخاذ قرار أكثر حكمة.
وبعد التعرف إلى المفاهيم النفسية، و العصبية التي تفسر التجربة العاطفية، يصبح من السهل تطبيق هذه المعرفة في الحياة اليومية. وفي القسم التالي سنستعرض تطبيقات عملية توضح كيف يمكن الاستفادة من فهم الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية في تطوير الذات، و العلاقات، و العمل، و القيادة، و الصحة النفسية.
لا تكمن أهمية التمييز بين الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية في الجانب النظري فقط، بل في القدرة على استخدام هذا الفهم لتحسين جودة الحياة اليومية. فعندما يدرك الإنسان أن ما يمر به هو سلسلة من العمليات النفسية، و العصبية، يصبح أكثر قدرة على إدارة نفسه، و علاقاته، و قراراته، بدل أن يكون أسيرًا لاستجاباته التلقائية.
إن هذه المعرفة تعد من أهم المهارات في الذكاء العاطفي، لأنها تساعد الإنسان على فهم نفسه قبل محاولة فهم الآخرين، كما تمكنه من التعامل مع الضغوط بصورة أكثر هدوءًا، و وعيًا.
عندما تفهم ما يحدث داخلك، يصبح التحكم في حياتك أسهل بكثير.
يساعد هذا النموذج الإنسان على ملاحظة ما يحدث داخله بدل أن يتصرف بصورة تلقائية. فعندما يدرك أن الغضب مجرد إنفعال مؤقت، وأن الشعور الناتج عنه يعتمد على تفسيره للموقف، يصبح أكثر قدرة على اختيار استجابته بدل أن يندفع خلفها.
كما يساعده ذلك على اكتشاف أن كثيرًا من معاناته لا تنتج عن الأحداث نفسها، وإنما عن الطريقة التي يفسر بها تلك الأحداث.
كثير من الخلافات لا تحدث بسبب الإنفعالات، بل بسبب سوء تفسيرها. فعندما يغضب أحد الطرفين، قد يفسر الطرف الآخر ذلك على أنه كراهية، بينما يكون الغضب في الحقيقة مجرد استجابة مؤقتة للإحباط.
وفهم هذا الفرق يساعد على تقليل سوء الفهم، و زيادة التعاطف، و تحسين جودة الحوار، و حل النزاعات بطريقة أكثر هدوءًا.
القائد الناجح لا يدير المهام فقط، بل يدير أيضًا الحالات العاطفية لفريقه. فهو يدرك أن الموظف الذي يعيش حالة مزاجية سلبية قد يفسر الملاحظات البسيطة على أنها هجوم شخصي، بينما الموظف الذي يتمتع بمزاج إيجابي يكون أكثر تقبلًا للتغذية الراجعة.
ولهذا تعتمد القيادة الحديثة بدرجة كبيرة على الذكاء العاطفي، و القدرة على فهم المشاعر، و تنظيمها.
تشير الدراسات إلى أن الحالة المزاجية تؤثر بصورة مباشرة في جودة القرارات. فالشخص الذي يعيش مزاجًا سلبيًا قد يركز على المخاطر فقط، بينما قد يبالغ الشخص ذو المزاج الإيجابي في تقدير الفرص.
لذلك ينصح بعدم اتخاذ القرارات المصيرية أثناء الغضب الشديد، أو الحزن العميق، أو التوتر المرتفع، لأن الإنفعال المؤقت قد يقود إلى نتائج طويلة الأمد.
لا تتخذ قرارًا دائمًا تحت تأثير إنفعال مؤقت.
يساعد التمييز بين هذه المفاهيم الأخصائيين النفسيين، و الأطباء النفسيين على فهم طبيعة المشكلة بصورة أدق. فقد يكون الشخص لا يعاني من إنفعالات غير طبيعية، وإنما من حالة مزاجية منخفضة استمرت لفترة طويلة، أو من طريقة تفسير غير صحية للأحداث.
كما أن الوعي بهذه الفروق يساعد الإنسان على طلب المساعدة المناسبة في الوقت المناسب، بدل أن يفسر جميع تجاربه العاطفية بالطريقة نفسها.
عندما يفهم الآباء، و المعلمون طبيعة الإنفعالات، يصبحون أكثر قدرة على مساعدة الأطفال في التعبير عن مشاعرهم بدل معاقبتهم عليها. فالطفل الذي يغضب لا يحتاج دائمًا إلى العقاب، بل يحتاج أحيانًا إلى تعلم كيفية فهم إنفعاله، و تنظيمه، و التعبير عنه بطريقة مناسبة.
يساهم الوعي بالحالات المزاجية في تحسين الإنتاجية، لأن الإنسان يصبح أكثر قدرة على إدراك تأثير الإرهاق، و قلة النوم، و الضغوط في أدائه اليومي، فيعمل على تنظيم أسلوب حياته بدل الاكتفاء بلوم نفسه.
يساعد هذا النموذج الإنسان على التوقف لعدة ثوانٍ قبل الاستجابة لأي موقف، فيسأل نفسه:
مجرد طرح هذه الأسئلة يمنح العقل فرصة للانتقال من رد الفعل إلى حسن التصرف.
بعد التعرف إلى التطبيقات العملية لهذا النموذج، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للإنسان أن يطور وعيه العاطفي بصورة مستمرة؟ وفي القسم التالي سنستعرض مجموعة من المبادئ العملية التي تساعد على فهم الإنفعالات، و تنظيم المشاعر، و تحسين الحالة المزاجية على المدى الطويل.
إن فهم الفرق بين الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية يمثل الخطوة الأولى فقط، أما الخطوة الأهم فهي القدرة على استخدام هذا الفهم في الحياة اليومية. فالمعرفة وحدها لا تغير السلوك، وإنما تتحول إلى قوة حقيقية عندما تصبح ممارسة مستمرة تؤثر في طريقة التفكير، و التصرف، و التعامل مع الضغوط.
ويجمع علماء النفس على أن الإنسان لا يستطيع منع ظهور الإنفعالات، لأنها جزء طبيعي من عمل الدماغ، لكنه يستطيع تعلم كيفية التعامل معها بصورة صحية، بحيث لا تتحول إلى مشاعر سلبية مزمنة، أو حالات مزاجية تؤثر في جودة حياته.
الهدف ليس التخلص من الإنفعالات، بل تعلم قيادتها بدل أن تقودك.
أول خطوة في تنظيم الحياة العاطفية هي ملاحظة الإنفعال لحظة ظهوره. فبدل أن يندمج الإنسان مع غضبه، أو خوفه، أو حزنه، يمكنه أن يتوقف لعدة ثوانٍ، و يسأل نفسه:
هذا التوقف القصير يمنح القشرة الجبهية الأمامية فرصة لاستعادة السيطرة على القرار، بدل تركه بالكامل للمراكز الإنفعالية في الدماغ.
كلما استطاع الإنسان وصف شعوره بكلمات دقيقة، أصبح تنظيمه أسهل. فكلمة "منزعج" تختلف عن "محبط"، و تختلف عن "خائف"، و تختلف عن "خجل". وكلما زادت دقة الوصف، زادت قدرة الدماغ على التعامل مع التجربة بصورة واعية.
كثير من المشاعر لا تنتج عن الحدث نفسه، وإنما عن تفسيره. ولذلك من المفيد طرح أسئلة مثل:
بما أن الحالة المزاجية تتأثر بعوامل بيولوجية، فإن تحسين أسلوب الحياة يعد من أقوى وسائل تنظيمها. ويشمل ذلك:
أحيانًا لا تحتاج إلى تغيير أفكارك فقط، بل تحتاج أيضًا إلى النوم جيدًا.
أثناء الغضب، أو الخوف، أو الحزن الشديد، يقل نشاط المناطق المسؤولة عن التفكير المنطقي، بينما يزداد نشاط المراكز الإنفعالية. ولهذا فإن تأجيل القرار حتى يهدأ الإنفعال غالبًا ما يؤدي إلى نتائج أفضل.
تساعد تمارين التأمل، و اليقظة الذهنية على ملاحظة الإنفعالات دون مقاومة، أو اندماج كامل معها، مما يزيد من القدرة على تنظيمها، و يقلل من تأثيرها السلبي في التفكير، و السلوك.
لا توجد إنفعالات "سيئة" بطبيعتها، فكل إنفعال يؤدي وظيفة معينة. فالخوف يحمي، و الغضب يدافع، و الحزن يساعد على التكيف مع الفقد، و السعادة تشجع على تكرار السلوكيات المفيدة. والمشكلة لا تكمن في وجود الإنفعال، بل في طريقة التعامل معه.
يصبح الإنسان أكثر نضجًا عندما يعتاد مراقبة عالمه الداخلي بصورة منتظمة، و يسأل نفسه باستمرار:
و مع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات الصغيرة إلى أسلوب حياة يزيد من الإستقرار النفسي، و يحسن جودة العلاقات، و يساعد الإنسان على التعامل مع تحديات الحياة بقدر أكبر من الحكمة، و المرونة، و الإتزان.
تمثل الإنفعالات، و المشاعر، و الحالات المزاجية ثلاث طبقات مترابطة تشكل التجربة العاطفية للإنسان، لكنها ليست شيئًا واحدًا. فالإنفعال هو الإستجابة البيولوجية السريعة التي يطلقها الدماغ عند مواجهة حدث معين، بينما يمثل الشعور التجربة الواعية التي تنشأ بعد تفسير ذلك الإنفعال، أما الحالة المزاجية فهي الخلفية العاطفية العامة التي قد تستمر لساعات، أو أيام، وتؤثر في طريقة التفكير، و الإدراك، و اتخاذ القرارات.
ويوضح هذا النموذج أن الإنسان لا يتفاعل مع الواقع مباشرة، بل يمر الواقع عبر سلسلة من العمليات العصبية، و النفسية تبدأ بالحدث، ثم الإنفعال، ثم التفسير، ثم الشعور، ثم الحالة المزاجية. ولهذا فإن شخصين قد يمران بالموقف نفسه، لكن يخرجان بتجربتين عاطفيتين مختلفتين تمامًا بسبب اختلاف طريقة تفسير كل منهما للحدث.
كما يبين النموذج أن الإنفعالات ليست أعداء يجب التخلص منهم، بل إشارات بيولوجية صممها الدماغ لمساعدتنا على التكيف مع البيئة. والمشكلة لا تكمن في وجود الخوف، أو الغضب، أو الحزن، وإنما في سوء فهمها، أو سوء إدارتها، أو السماح لها بالتحكم في قراراتنا، و سلوكنا لفترات طويلة.
إن تطوير الوعي العاطفي، و تعلم تنظيم الإنفعالات، و إعادة تفسير المواقف بصورة أكثر واقعية، و تحسين أسلوب الحياة، كلها عوامل تساعد على بناء إستقرار نفسي أكبر، و علاقات أكثر صحة، و قرارات أكثر حكمة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الوعي إلى مهارة أساسية تمنح الإنسان قدرة أكبر على فهم نفسه، و فهم الآخرين، و التعامل مع تحديات الحياة بمرونة، و توازن.
قد لا تستطيع دائمًا التحكم فيما يحدث حولك، لكنك تستطيع أن تتعلم كيف تفهم ما يحدث داخلك، لأن فهم عالمك الداخلي هو الخطوة الأولى نحو بناء حياة أكثر وعيًا، و هدوءًا، و إتزانًا.
التطوير الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن التكيف مع توقعات الآخرين و تبدأ في وضع قواعدك الخاصة. من خلال باقاتنا التدريبية، نركز على تحريرك من الأنماط المعيقة، تعزيز ثقتك في قراراتك، و بناء حضور شخصي واثق ينعكس إيجاباً على كل جوانب حياتك. إستثمر في وعيك، و حوّل إمكانياتك إلى نتائج ملموسة.
إبدأ رحلة التغيير الآن© 2022 جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة. طارق الوهبي.